وقفات مع قول الإمام الشعبي ـ رحمه الله ـ " إنما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان: العقل والنسك "



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين
أما بعد :
فقد ذكر الحافظ الذهبي رحمه الله في كتابه " سير أعلام النبلاء " ( 4 / 164 )
من طريق سعيد بن عامر، عن حميد بن الأسود، عن عيسى الحناط أنه قال: قال الإمام الشعبي رحمه الله : (( إنما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان: العقل والنسك، فإن كان عاقلا ولم يكن ناسكا قال: هذا أمر لا يناله إلا النساك فلن أطلبه، وإن كان ناسكا ولم يكن عاقلا قال: هذا أمر لا يناله إلا العقلاء، فلن أطلبه.
يقول الشعبي: فلقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم من ليس فيه واحدة منهما، لا عقل ولا نسك .))

قلت ( الذهبي ) : (( أظنه أراد بالعقل الفهم والذكاء.)) ا.هـ
رحمه الله الإمام عامر بن شراحيل ، فقد أبدع وأوجز في كلمته هذه ، كيف لا ومدار العلم بالوحي على الفهم والمعرفة، و وفور العقل وصحة التنسك ، فمن حاز على هاتين الخصلتين ، وسعى في تكميلهما وتحصيلهما ، فقد حاز على خير الدنيا والآخرة وفاز بسعادتهما وعاش حياة طيبة ، ومن حرمهما فقد حرم السعادة والفلاح على قدر تفريطه فيهما والإخلال بهما .
فالنسك :
هو التعبد والتأله ، " و العبادة تطلق على أمرين : على الفعل والمفعول.
فإطلاقها على الفعل بأنها: ( التذلل لله عز وجل حباً وتعظيماً، بفعل أوامره واجتناب نواهيه )، وكل من ذل لله عز بالله، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ} [المنافقون: 8].
وتطلق على المفعول، أي: المتعبد به ، وهي بهذا المعنى تعرف بما عرفها به شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال رحمه الله: ( العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة ) "[1] .
فهذه هي حقيقة العبادة ، ولا تتحقق إلا بتقوى الله عز وجل التي هي " العمل بطاعة الله إيمانا واحتسابا أمرا ونهيا ، فيفعل ما أمر الله به إيمانا بالأمر وتصديقا بوعده ويترك ما نهى الله عنه إيمانا بالنهى وخوفا من وعيده ، كما قال طلق بن حبيب : ( إذا وقعت الفتنة فادفعوها بالتقوى ، قالوا : وما التقوى ؟ قال : أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجوا ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله ) ا.هـ ، وهذا أحسن ما قيل في حد التقوى " [2]
قال الحافظ الذهبي رحمه الله في " سير أعلام " ( 4 / 601 ) عند قول طلق بن حبيب رحمه الله هذا : ((قلت: أبدع وأوجز، فلا تقوى إلا بعمل، ولا عمل إلا بترو من العلم والاتباع ، ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص لله، لا ليقال: فلان تارك للمعاصي بنور الفقه، إذ المعاصي يفتقر اجتنابها إلى معرفتها، ويكون الترك خوفا من الله، لا ليمدح بتركها، فمن دوام على هذه الوصية فقد فاز.)) ا.هـ
ولهذا يا إخوتاه ـ بارك الله فيكم ـ ، من وقف عند هذا المقام وتأمل وألزم نفسه بهذا الخلق العظيم ، والتحلي به كان حريا بأن ينتفع وينفع ويوفق للصواب والإصابة ، ولهذا لما " قيل للإمام أحمد رحمه الله : مَنْ نسألُ بعدَك ؟ قال : عبد الوهَّاب الورَّاق ، قيل له : إنَّه ليس له اتَّساعٌ في العلم ، قال : إنَّه رجل صالح مثلُه يُوفَّقُ لإصابة الحق ، وسئل عن معروف الكرخي ، فقال : كان معه أصلُ العلم : خشية الله " [3]
ومن هنا نجد سلفنا الصالح رضوان الله عليهم قد اعتنوا بهذا الأمر العظيم والمقام الكريم ، وأوصوا تلامذتهم به ، وعرفوا وأيقنوا أن الإخلال به سبب للوقوع في المعاصي التي من آثارها حرمان العلم وثمرته ، " فَإِنَّ الْعِلْمَ نُورٌ يَقْذِفُه اللَّه فِي الْقلْب، وَالْمعصِيَة تُطْفِئُ ذَلِكَ النُّورَ ، ولهذا لما جَلَس الْإِمَام الشَّافِعِيّ بَيْن يَدي مَالِك وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَعْجَبَه مَا رَأَى من وفُور فطْنتِه، وَتَوقدِ ذَكَائِه، وَكَمَال فَهمِه ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَى اللَّه قَد أَلْقى عَلَى قَلْبِكَ نُورًا، فَلَا تُطْفِئْه بِظُلمَة الْمَعْصيَة.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي ... فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي
وَقَالَ اعْلَمْ بِأَنَّ الْعِلْمَ فَضْلٌ ... وَفَضْلُ اللَّهِ لَا يُؤْتَاهُ عَاصِي "[4]
وهل ضل ملل الكفر وأهل البدع مع ما يمتازون به من الذكاء والفطنة إلا بإخلالهم بهذا الأمر العظيم ، و أنهم ما راعوا حقيقته ومقامه الشريف .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني رحمه الله في " مجموع الفتاوى " (9 / 37)

(( وَالْقَوْمُ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ ذَكَاءٌ وَفِطْنَةٌ ، وَفِيهِمْ زُهْدٌ وَأَخْلَاقٌ - فَهَذَا الْقَدْرُ لَا يُوجِبُ السَّعَادَةَ وَالنَّجَاةَ مِنْ الْعَذَابِ إلَّا بِالْأُصُولِ الْمُتَقَدِّمَةِ : مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ وَإِخْلَاصِ عِبَادَتِهِ ، وَالْإِيمَانِ بِرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ؛ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَإِنَّمَا قُوَّةُ الذَّكَاءِ بِمَنْزِلَةِ قُوَّةِ الْبَدَنِ وَقُوَّةِ الْإِرَادَةِ ، فَاَلَّذِي يُؤْتَى فَضَائِلَ عِلْمِيَّةً وَإِرَادِيَّةً بِدُونِ هَذِهِ الْأُصُولِ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُؤْتَى قُوَّةً فِي جِسْمِهِ وَبَدَنِهِ بِدُونِ هَذِهِ الْأُصُولِ ، وَأَهْلُ الرَّأْيِ وَالْعِلْمِ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْمُلْكِ وَالْإِمَارَةِ وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ ،وَهَؤُلَاءِ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَيُؤْمِنَ بِرُسُلِهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ مُتَلَازِمَةٌ ، فَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَزِمَ أَنْ يُؤْمِنَ بِرُسُلِهِ وَيُؤْمِنَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ؛ فَيَسْتَحِقَّ الثَّوَابَ وَإِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ يَخْلُدُ فِي الْعَذَابِ هَذَا إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِالرُّسُلِ . وَلَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمُلْكِ وَالْعِلْمِ قَدْ يُعَارِضُونَ الرُّسُلَ وَقَدْ يُتَابِعُونَهُمْ ؛ ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ..... فَقَالَ سُبْحَانَهُ : { وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } فَأَخْبَرَ بِمَا مَكَّنَهُمْ فِيهِ مِنْ أَصْنَافِ الْإِدْرَاكَاتِ وَالْحَرَكَاتِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ حَيْثُ جَحَدُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَهِيَ الرِّسَالَةُ الَّتِي بَعَثَ بِهَا رُسُلَهُ ، وَلِهَذَا حَدَّثَنِي ابْنُ الشَّيْخِ الحصيري عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ الحصيري - شَيْخِ الْحَنَفِيَّةِ فِي زَمَنِهِ - قَالَ : كَانَ فُقَهَاءُ بخارى يَقُولُونَ فِي ابْنِ سِينَا : كَانَ كَافِرًا ذَكِيًّا .)) ا.هـ
وقال رحمه الله في " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح " ( 3 / 102)

(( والنصارى لهم عبادات وأخلاق بلا علم ومعرفة ولا ذكاء واليهود لهم ذكاء وعلم ومعرفة بلا عبادات ولا أخلاق حسنة ، والمسلمون جمعوا بين العلم النافع والعمل الصالح بين الزكا والذكاء فإن الله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق فالهدى يتضمن العلم النافع ودين الحق يتضمن العمل الصالح ليظهره على الدين كله والظهور يكون بالعلم واللسان ليبين أنه حق وهدى ويكون باليد والسلاح ليكون منصورا مؤيدا والله أظهره هذا الظهور فهم أهل الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا غير المغضوب عليهم الذين يعرفون الحق ولا يعملون به كاليهود ولا الضالين الذين يعملون ويعبدون ويزهدون بلا علم كالنصارى )) ا.هـ
فلعمري إن نعمة التعبد والتنسك على ما كان عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وما عليه سار أصحابه رضوان الله عليهم وأئمة الحديث والأثر بعده ، لهي أربح التجارات وأنفسها وأفضل ما يكرم به بني آدم ويشرف ، ولهي مقام محبوب عند الله عز وجل وزلفة يبتغى بها معيته الخاصة ونعيمه الدائم جل في علاه ، فرحم الله الإمام الشعبي فخير ما أرشد ونصح ، وأبدع وصدق في هاتين الكلمتين : التنسك
وثانيهما : العقل :
" الذي به عرف الله سبحانه وتعالى وأسماؤه وصفات كماله ونعوت جلاله وبه آمن المؤمنون بكتبه ورسله ولقائه وملائكته وبه عرفت آيات ربوبيته وأدلة وحدانيته ومعجزات رسله وبه امتثلت أوامره واجتنبت نواهيه وهو الذي تلمح العواقب فراقبها وعمل بمقتضى مصالحها وقاوم الهوى فرد جيشه مفلولا وساعد الصبر حتى ظفر به بعد أن كان بسهامه مقتولا وحث على الفضائل ونهى عن الرذائل وفتق المعاني وأدرك الغوامض وشد أزر العزم فاستوى على سوقه وقوى أزر الحزم حتى حظى من الله بتوفيقه فاستجلب ما يزين ونفى ما يشين فإذا نزل وسلطانه أسر جنود الهوى فحصرها في حبس ـ من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه ـ ونهض بصاحبه إلى منازل الملوك إذا صير الهوى الملك بمنزلة العبد المملوك .
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( لقد سبق إلى جنات عدن أقوام ما كانوا بأكثر الناس صلاة ولا صياما ولا حجا ولا اعتمارا لكنهم عقلوا عن الله مواعظه فوجلت منه قلوبهم واطمأنت إليه نفوسهم وخشعت له جوارحهم ففاقوا الناس بطيب المنزلة وعلو الدرجة عند الناس في الدنيا وعند الله في الآخرة ) ، وقالت عائشة رضي الله عنها : ( قد أفلح من جعل الله له عقلا ) ، وقال وهب بن منبه : قرأت في بعض ما أنزل الله تعالى إن الشيطان لم يكابد شيئا أشد عليه من مؤمن عاقل وإنه ليسوق مائة جاهل فيستجرهم حتى يركب رقابهم فينقادون له حيث شاء ويكابد المؤمن العاقل فيصعب عليه حتى ينال منه شيئا من حاجته قال وإزالة الجبل صخرة صخرة أهون على الشيطان من مكابدة المؤمن العاقل فإذا لم يقدر عليه تحول إلى الجاهل فيستأسره ويتمكن من قياده حتى يسلمه إلى الفضائح التي يتعجل بها في الدنيا الجلد والرجم والقطع والصلب والفضيحة وفي الآخرة العار والنار والشنار ، وإن الرجلين ليستويان في البر ويكون بينهما في الفضل كما بين المشرق والمغرب بالعقل وما عبد الله بشيء أفضل من العقل ، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه : ( لو أن العاقل أصبح وأمسى وله ذنوب بعدد الرمل كان وشيكا بالنجاة والتخلص منها ولو أن الجاهل أصبح وأمسى وله من الحسنات وأعمال البر عدد الرمل لكان وشيكا أن لا يسلم له منها مثقال ذرة قيل وكيف ذلك ؟ قال : إن العاقل إذا زل تدارك ذلك بالتوبة والعقل الذي رزقه والجاهل بمنزله الذي يبني ويهدم فيأتيه من جهله ما يفسد صالح عمله ) وقال الحسن : ( لا يتم دين الرجل حتى يتم عقله وما أودع الله امرأ عقلا إلا استنقذه به يوما ) وقال بعض الحكماء : ( من لم يكن عقله أغلب الأشياء عليه كان حتفه وهلاكه في أحب الأشياء إليه ) وقال يوسف بن أسباط : ( العقل سراج ما بطن وزينة ما ظهر وسائس الجسد وملاك أمر العبد ولا تصلح الحياة إلا به ولا تدور الأمور إلا عليه ) وقيل لعبدالله بن المبارك : ( ما أفضل ما أعطي الرجل بعد الإسلام ؟ قال : غريزة عقل ، قيل فإن لم يكن ؟ قال : أدب حسن ، قيل فإن لم يكن ؟ قال : أخ صالح يستشيره ، قيل فإن لم يكن ؟ قال : صمت طويل ، قيل فإن لم يكن ؟ قال : موت عاجل ) وفي ذلك قيل :
ما وهب الله لامرئ هبة ... أحسن من عقله ومن أدبه
هما جمال الفتى فإن فقدا ... ففقده للحياة أجمل به "[5]
وليس شيء أضر على الدين والعقل من أن يبتلى العبد بالهوى " فَهوَ عن الْخَيْر صاد ، وَلِلْعَقْل مضاد ، لِأنَّه يُنْتج من الْأَخلَاق قَبَائِحَهَا ، وَيظْهِر مِنْ الْأَفْعَال فَضَائِحَهَا ، وَيَجْعَل سِتْرَ الْمُروءَة مَهتُوكًا ، وَمَدْخَلَ الشَّرّ مَسْلُوكًا
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( أَخَافُ عَلَيْكُمْ اثْنَيْنِ : اتِّبَاعَ الْهَوَى وَطُولَ الْأَمَلِ ، فَإِنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى يَصُدُّ عَنْ الْحَقِّ وَطُولَ الْأَمَلِ يُنْسِي الْآخِرَةَ )
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : ( إنَّمَا سُمِّيَ الْهَوَى هَوًى ، لِأَنَّهُ يَهْوِي بِصَاحِبِهِ )
وَقَالَ أَعْرَابِي : الْهَوَى هَوَان وَلَكِنْ غَلِطَ بِاسْمِهِ ، فَأَخَذَهُ الشَّاعِرُ وَقَالَ :
إنَّ الْهَوَانَ هُوَ الْهَوَى قُلِبَ اسْمُهُ … فَإِذَا هَوِيتَ فَقَدْ لَقِيت هَوَانَا
وَقِيلَ فِي مَنْثُور الْحِكَمِ : ( مَنْ أَطَاعَ هَوَاهُ ، أَعْطَى عَدُوَّه مُنَاه )
وَقَالَ بَعْض الْحُكَمَاء : ( الْعَقْلُ صَدِيق مَقْطُوع، وَالْهَوَى عَدُو مَتْبُوع )
فَلَمَّا كَانَ الْهَوَى غَالِبًا وَإِلَى سَبِيلِ الْمَهَالِكِ مَوْرِدًا جَعَلَ الْعَقْلَ عَلَيْهِ رَقِيبًا مُجَاهِدًا يُلَاحِظُ عَثْرَةَ غَفْلَتِهِ ، وَيَدْفَعُ بَادِرَةَ سَطْوَتِهِ ، وَيَدْفَعُ خِدَاعَ حِيلَتِهِ " [6] ، فإذا كانت الغلبة والدولة للعقل سالمه الهوى وكان من خدمه وأتباعه ، أما إذا كانت الدولة للهوى صار العقل أسيرا في يديه محكوما عليه [7] ، لما لدي سُلْطَان الْهَوَى من قوى ، وَمَدْخَل مَكْرِه خَفِي ، وَمِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ يُؤْتَى الْعَاقِلُ حَتَّى تَنْفُذَ أَحْكَامُ الْهَوَى عَلَيْهِ أَعْنِي بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : قُوَّةَ سُلْطَانِهِ وَبِالْآخَرِ خَفَاءَ مَكْرِهِ .
فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ :
فَهُوَ أَنْ يَقْوَى سُلْطَانُ الْهَوَى بِكَثْرَةِ دَوَاعِيهِ حَتَّى يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ مُغَالَبَةُ الشَّهَوَاتِ فَيَكِلُّ الْعَقْلُ عَنْ دَفْعِهَا ، وَيَضْعُفُ عَنْ مَنْعِهَا ، مَعَ وُضُوحِ قُبْحِهَا فِي الْعَقْلِ الْمَقْهُورِ بِهَا ، وَهَذَا يَكُونُ فِي الْأَحْدَاثِ أَكْثَرَ وَعَلَى الشَّبَابِ أَغْلَبَ ، لِقُوَّةِ شَهَوَاتِهِمْ ، وَكَثْرَةِ دَوَاعِي الْهَوَى الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ وَإِنَّهُمْ رُبَّمَا جَعَلُوا الشَّبَابَ عُذْرًا لَهُمْ ، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ :
كُلٌّ يَرَى أَنَّ الشَّبَابَ لَهُ .... فِي كُلِّ مَبْلَغِ لَذَّةٍ عُذْرَا
وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : الْهَوَى مَلِك غَشُومٌ ، وَمُتَسَلِّط ظَلُومٌ .
وَحَسْمُ ذَلِكَ
أَنْ يَسْتَعِينَ بِالْعَقْلِ عَلَى النَّفْسِ النُّفُورَةِ فَيُشْعِرُهَا مَا فِي عَوَاقِبِ الْهَوَى مِنْ شِدَّةِ الضَّرَرِ ، وَقُبْحِ الْأَثَرِ ، وَكَثْرَةِ الْإِجْرَامِ ، وَتَرَاكُمِ الْآثَامِ .
فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ } .
أَخْبَرَ أَنَّ الطَّرِيقَ إلَى الْجَنَّةِ احْتِمَالُ الْمَكَارِهِ ، وَالطَّرِيقَ إلَى النَّارِ اتِّبَاعُ الشَّهَوَاتِ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : (( إيَّاكُمْ وَتَحْكِيمَ الشَّهَوَاتِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّ عَاجِلَهَا ذَمِيمٌ ، وَآجِلَهَا وَخِيمٌ ، فَإِنْ لَمْ تَرَهَا تَنْقَادُ بِالتَّحْذِيرِ وَالْإِرْهَابِ ، فَسَوِّفْهَا بِالتَّأْمِيلِ وَالْإِرْغَابِ ، فَإِنَّ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ إذَا اجْتَمَعَا عَلَى النَّفْسِ ذَلَّتْ لَهُمَا وَانْقَادَتْ ))
وَقَدْ قَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ : (( كُنْ لِهَوَاك مُسَوِّفًا ، وَلِعَقْلِك مُسْعِفًا ، وَانْظُرْ إلَى مَا تَسُوءُ عَاقِبَتُهُ فَوَطِّنْ نَفْسَك عَلَى مُجَانَبَتِهِ فَإِنَّ تَرْكَ النَّفْسِ وَمَا تَهْوَى دَاؤُهَا ، وَتَرْكَ مَا تَهْوَى دَوَاؤُهَا ، فَاصْبِرْ عَلَى الدَّوَاءِ ، كَمَا تَخَافُ مِنْ الدَّاءِ ))
فَإِذَا انْقَادَتْ النَّفْسُ لِلْعَقْلِ بِمَا قَدْ أُشْعِرَتْ مِنْ عَوَاقِبِ الْهَوَى لَمْ يَلْبَثْ الْهَوَى أَنْ يَصِيرَ بِالْعَقْلِ مَدْحُورًا ، وَبِالنَّفْسِ مَقْهُورًا ، ثُمَّ لَهُ الْحَظُّ الْأَوْفَى فِي ثَوَابِ الْخَالِقِ وَثَنَاءِ الْمَخْلُوقِينَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى }
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : (( أَفْضَلُ الْجِهَادِ جِهَادُ الْهَوَى ))
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : (( أَعَزُّ الْعِزِّ الِامْتِنَاعُ مِنْ مِلْكِ الْهَوَى ))
وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ : (( خَيْرُ النَّاسِ مَنْ أَخْرَجَ الشَّهْوَةَ مِنْ قَلْبِهِ ، وَعَصَى هَوَاهُ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ ))
وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ : (( مَنْ أَمَاتَ شَهْوَتَهُ ، فَقَدْ أَحْيَا مُرُوءَتَهُ ))
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي :
فَهُوَ أَنْ يُخْفِيَ الْهَوَى بِكُرْهٍ حَتَّى تَتَمَوَّهَ أَفْعَالُهُ عَلَى الْعَقْلِ فَيَتَصَوَّرُ الْقَبِيحَ حَسَنًا وَالضَّرَرَ نَفْعًا ، وَهَذَا يَدْعُو إلَيْهِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ :
إمَّا أَنْ يَكُونَ
لِلنَّفْسِ مَيْلٌ إلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ فَيَخْفَى عَنْهَا الْقَبِيحُ لِحُسْنِ ظَنِّهَا وَتَتَصَوَّرُهُ حَسَنًا لِشِدَّةِ مَيْلِهَا .
وَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :(( الْهَوَى عَمًى ))
قَالَ الشَّاعِرُ :
حَسَنٌ فِي كُلِّ عَيْنٍ مَنْ تَوَدُّ
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :
وَلَسْت بِرَاءٍ عَيْبَ ذِي الْوُدِّ كُلِّهِ .... وَلَا بَعْضَ مَا فِيهِ إذَا كُنْت رَاضِيَا
فَعَيْنُ الرِّضَى عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ ....وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا
وَأَمَّا السَّبَبُ الثَّانِي :
فَهُوَ اشْتِغَالُ الْفِكْرِ فِي تَمْيِيزِ مَا اشْتَبَهَ فَيَطْلُبُ الرَّاحَةَ فِي اتِّبَاعِ مَا اسْتَسْهَلَ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ أَوْفَقُ أَمْرَيْهِ ، وَأَحْمَدُ حَالَيْهِ ، اغْتِرَارًا بِأَنَّ الْأَسْهَلَ مَحْمُودٌ وَالْأَعْسَرَ مَذْمُومٌ فَلَنْ يَعْدَمَ أَنْ يَتَوَرَّطَ بِخِدَعِ الْهَوَى وَرِيبَةِ الْمَكْرِ فِي كُلِّ مَخُوفٍ حَذِرٍ ، وَمَكْرُوهٍ عَسِرٍ .
وَلِذَلِكَ قَالَ عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ : (( الْهَوَى يَقْظَانُ وَالْعَقْلُ رَاقِدٌ فَمِنْ ثَمَّ غَلَبَ ))
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ وَهْبٍ : (( الْهَوَى أَمْنَعُ ، وَالرَّأْيُ أَنْفَعُ ))
وَقِيلَ فِي الْمَثَلِ : (( الْعَقْلُ وَزِيرٌ نَاصِحٌ ، وَالْهَوَى وَكِيلٌ فَاضِحٌ ))
وَقَالَ الشَّاعِرُ :
إذَا الْمَرْءُ أَعْطَى نَفْسَهُ كُلَّمَا اشْتَهَتْ ....وَلَمْ يَنْهَهَا تَاقَتْ إلَى كُلِّ بَاطِلِ
وَسَـاقَتْ إلَيْهِ الْإِثْمَ وَالْـعَارَ بِاَلَّــذِي .....دَعَتْهُ إلَيْهِ مِنْ حَلَاوَةِ عَاجِلِ
وَحَسْمُ السَّبَبِ الْأَوَّلِ
أَنْ يَجْعَلَ فِكْرَ قَلْبِهِ حَكَمًا عَلَى نَظَرِ عَيْنِهِ ، فَإِنَّ الْعَيْنَ رَائِدُ الشَّهْوَةِ ، وَالشَّهْوَةَ مِنْ دَوَاعِي الْهَوَى ، وَالْقَلْبَ رَائِدُ الْحَقِّ وَالْحَقَّ مِنْ دَوَاعِي الْعَقْلِ .
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : نَظَرُ الْجَاهِلِ بِعَيْنِهِ وَنَاظِرِهِ ، وَنَظَرُ الْعَاقِلِ بِقَلْبِهِ وَخَاطِرِهِ .
ثُمَّ يَتَّهِمُ نَفْسَهُ فِي صَوَابِ مَا أَحَبَّتْ وَتَحْسِينِ مَا اشْتَهَتْ ، لِيَصِحَّ لَهُ الصَّوَابُ وَيَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ ، فَإِنَّ الْحَقَّ أَثْقَلُ مَحْمَلًا ، وَأَصْعُبُ مَرْكَبًا فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ اجْتَنِبْ أَحَبَّهُمَا إلَيْهِ ، وَتَرَكَ أَسْهَلَهُمَا عَلَيْهِ ، فَإِنَّ النَّفْسَ عَنْ الْحَقِّ أَنْفَرُ ، وَلِلْهَوَى آثَرُ .
وَقَدْ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ : (( إذَا اشْتَبَهَ عَلَيْك أَمْرَانِ فَدَعْ أَحَبَّهُمَا إلَيْك ، وَخُذْ أَثْقَلَهُمَا عَلَيْك ، وَعِلَّةُ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ أَنَّ الثَّقِيلَ يُبْطِئُ النَّفْسَ عَنْ التَّسَرُّعِ إلَيْهِ فَيَتَّضِحُ مَعَ الْإِبْطَاءِ وَتَطَاوُلِ الزَّمَانِ صَوَابُ مَا اسْتَعْجَمَ ، وَظُهُورُ مَا اسْتَبْهَمَ ))
وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : (( مَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ وَالْمَحْبُوبُ أَسْهَلُ شَيْءٍ تُسْرِعُ النَّفْسُ إلَيْهِ ، وَتُعَجِّلُ بِالْإِقْدَامِ عَلَيْهِ ، فَيَقْصُرُ الزَّمَانُ عَنْ تَصَفُّحِهِ وَيَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهُ لِتَقْصِيرِ فِعْلِهِ فَلَا يَنْفَعُ التَّصَفُّحُ بَعْدَ الْعَمَلِ وَ الِاسْتِدراك بَعْدَ الْفَوْتِ ))
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : (( مَا كَانَ عَنْك مُعْرِضًا ، فَلَا تَكُنْ بِهِ مُتَعَرِّضًا ))
وَقَالَ الشَّاعِرُ :
أَلَيْسَ طِلَابُ مَا قَدْ فَاتَ جَهْلًا .... وَذِكْرُ الْمَرْءِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ
وَلَقَدْ وَصَفَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ حَالَ الْهَوَى وَمَا يُقَارِنُهُ مِنْ مِحَنِ الدُّنْيَا فَقَالَ : الْهَوَى مَطِيَّةُ الْفِتْنَةِ ، وَالدُّنْيَا دَارُ الْمِحْنَةِ ، فَانْزِلْ عَنْ الْهَوَى تَسْلَمْ ، وَاعْرِضْ عَنْ الدُّنْيَا تَغْنَمْ ، وَلَا يَغُرَّنَّكَ هَوَاك بِطَيِّبِ الْمَلَاهِي وَلَا تَفْتِنُك دُنْيَاك بِحُسْنِ الْعَوَارِيّ .
فَمُدَّةُ اللَّهْوِ تَنْقَطِعُ وَعَارِيَّةُ الدَّهْرِ تُرْتَجَعُ ، وَيَبْقَى عَلَيْك مَا تَرْتَكِبُهُ مِنْ الْمَحَارِمِ ، وَتَكْتَسِبُهُ مِنْ الْمَآثِمِ " [8]
المقصود: فالله سبحانه وتعالى قد ألقى " العداوة بين الشيطان وبين الملك والعداوة بين العقل وبين الهوى والعداوة بين النفس الأمارة وبين القلب وابتلى العبد بذلك وجمع له بين هؤلاء وأمد كل حزب بجنود وأعوان فلا تزال الحرب سجالا ودولا بين الفريقين إلى أن يستولى أحدهما علي الآخر ويكون الآخر مقهورا معه .
فإذا كانت النوبة للقلب والعقل والملك فهنالك السرور والنعيم واللذة والبهجة والفرح وقرة العين وطيب الحياة وانشراح الصدر والفوز بالغنائم .
وإذا كانت النوبة للنفس والهوي والشيطان فهنالك الغموم والهموم والأحزان وأنواع المكاره وضيق الصدر وحبس الملك فما ظنك بملك استولى عليه عدوه فانزله عن سرير ملكه وأسره وحبسه وحال بينه وبين خزائنه وذخائره وخدمه وصيرها له " [9]، وهذا من ضعف إدراك صاحبها ، وضعف نفسه ودناءتها ، وانهزامه واستسلامه للمعاصي والذنوب التي هي أشد الضرر على القلوب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر وهل في الدنيا والآخرة شرّ وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي ؟
فإذا كان كذلك حل به الهوان وأورثته الذلة وأفسدت عليه عقله ، لأن للعقل نورا والمعصية تطفيء نور العقل ولابد و إذا طفىء نوره ضعف ونقص .
وقال بعض السلف : (( ما عصي الله أحد حتي يغيب عقله )) ، وهذا ظاهر فإنه لو حضر عقله لحجزه عن المعصية "[10]
فبهذا رحمني الله وإياكم ، نعرف ما وجه الجمع لطالب العلم في سيره وطلبه بين النسك والعقل الذي أشار إليهما الإمام الشعبي رحمه الله ، فطالب العلم الناجح المفلح المصلح الصالح هو الذي جمع في حياته العلمية العملية بين العقل والعمل وحافظ عليهما وتعهدهما بالرعاية والنمو .
ثم هنا أمر مهم أشار إليه الحافظ الذهبي رحمه الله حيث قال ـ بعد أن ساق هذا الأثر السلفي المبارك ـ أي قال : (( أظنه أراد بالعقل الفهم والذكاء.)) ، فجزاه الله خيرا على هذا البيان والإيضاح ، وذلك ، لأن العقل هو الذي يكون منه الفهم والإفهام مؤديا إلى معرفة " فالفهم نعمة من الله على عبده ونور يقذفه الله في قلبه يعرف به ويدرك مالا يدركه غيره ولا يعرفه فيفهم من النص مالا يفهمه غيره مع استوائهما في حفظه وفهم أصل معناه ، فالفهم عن الله ورسوله عنوان الصديقية ومنشور الولاية النبوية وفيه تفاوتت مراتب العلماء حتى عد ألف بواحد "[11]
قال الإمام الهمام ابن القيم رحمه الله في " الصواعق المرسلة " ( 2 / 507) :

(( فإن درجات الفهم متفاوتة في الناس أعظم تفاوت فإن قوى الأذهان كقوى الأبدان والناس متفاوتون في هذا وهذا تفاوتا لا ينضبط ، وقد سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه هل خصكم رسول الله بشيء دون الناس فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة وكان فيها العقل أي الديات وفكاك الأسير .
وكان أبو بكر الصديق أفهم الأمة لكلام الله ورسوله ولهذا لما أشكل على عمر مع قوة فهمه قوله تعالى " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين " الفتح27 ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة
" إنكم تأتونه وتطوفون به " فأورده عليه عام الحديبية فقال له الصديق أقال لك إنك تأتيه العام قال لا قال فإنك آتيه ومطوف به فأجابه بجواب النبي صلى الله عليه وسلم
وأشكل عليه قتال الصديق لمانعي الزكاة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم " ، فقال ألم يقل إلا بحقها فإيتاء الزكاة من حقها
ولما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم " إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله " بكى أبو بكر وقال نفديك بأبنائنا وأمهاتنا فكان رسول الله هو المخير وكان أبو بكر أعلم الأمة به ، وكذلك فهم عمر بن الخطاب وعبدالله بن عباس من سورة : " إذا جاء نصر الله والفتح " النصر1 ، أنها إعلام لرسول الله بحضور أجله ولذلك كان الصحابة أعلم الأمة على الإطلاق وبينهم وبين من بعدهم في العلم واليقين كما بينهم وبينهم في الفضل والدين .
ولهذا كان ما فهمه الصحابة من القرآن أولى أن يصار إليه مما فهمه من بعدهم فانضاف حسن قصدهم إلى حسن فهمهم فلم يختلفوا في التأويل في باب معرفة الله وصفاته وأسمائه وأفعاله واليوم الأخر ولا يحفظ عنهم في ذلك خلاف لا مشهور ولا شاذ ، فلما حدث بعد انقضاء عصرهم من ساء فهمه وساء قصده وقعوا في أنواع من التأويل بحسب سوء الفهم وفساد القصد وقد يجتمعان وقد ينفردان ، وإذا اجتمعا تولد من بينهما جهل بالحق ومعاداة لأهله واستحلال ما حرم الله منهم .
وإذا تأملت أصول المذاهب الفاسدة رأيت أربابها قد اشتقوها من بين هذين الأصلين وحملهم عليها منافسة في رياسة أو مال أو توصل إلى عرض من أعراض الدنيا تخطبه الآمال وتتبعه الهمم وتشرئب إليه النفوس فيتفق للعبد شبهة وشهوة وهما أصل كل فساد ومنشأ كل تأويل باطل )) ا.هـ
وقال رحمه الله في كتابه " الروح " ( ص 62)

(( فصل :
الأمر الثانى أن يفهم عن الرسول مراد من غير غلو ولا تقصير فلا يحمل كلامه مالا يحتمله ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب وما لا يعلمه إلا الله بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع مع حسن قصده وسوء القصد من التابع فيا محنة الدين وأهله والله المستعان
وهل أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والرافضة وسائر الطوائف أهل البدع إلا سوء الفهم عن الله ورسوله حتى صار الدين بأيدى أكثر الناس هو موجب هذه الإفهام والذى فهمه الصحابة ومن تبعهم عن الله ورسوله فمهجور لا يلتفت إليه ولا يرفع هؤلاء به رأسا ولكثرة أمثلة هذه القاعدة تركناها فإنا لو ذكرناها لزادت على عشرة ألوف حتى أنك لتمر على الكتاب من أوله إلى آخره فلا تجد صاحبه فهم عن الله ورسوله ومراده كما ينبغي في موضع واحد .
وهذا إنما يعرفه من عرف ما عند الناس وعرضه على ما جاء به الرسول وأما من عكس الأمر بعرض ما جاء به الرسول على ما اعتقده وانتحله وقلد فيه من أحسن به الظن فليس يجدى الكلام معه شيئا فدعه وما اختاره لنفسه ووله ما تولى وأحمد الذي عافاك مما ابتلاه به )) ا.هـ
فنحمد الله على نعمة العقل والسنة ، وفي الخاتمة ـ ختم الله لنا ولكم بالحسنة والصلاح ـ نختم مقالنا بكلمة ووصية نفيسة للعلامة الأصولي أبي العباس شهاب الدين المالكي الشهير بالقرافي رحمه الله حيث قال في كتابه " أنوار البروق في أنواع الفروق " ( 2 / 115) :
(( أَنَّ الْعِلْمَ وَضَبْطَ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ لَهُ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ وَهُمْ مَنْ جَادَ حِفْظُهُمْ وَرَقَّ فَهْمُهُمْ وَحَسُنَتْ سِيرَتُهُمْ وَطَابَتْ سَرِيرَتُهُمْ فَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ عَدِيمَ الْحِفْظِ أَوْ قَلِيلَهُ وَسَيِّئَ الْفَهْمِ لَا يَصْلُحُ لِضَبْطِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَكَذَلِكَ مَنْ سَاءَتْ سَرِيرَتُهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْوُثُوقُ لِلْعَامَّةِ فَلَا تَحْصُلُ بِهِ مَصْلَحَةُ التَّقْلِيدِ فَتَضِيعُ أَحْوَالُ النَّاسِ وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ مُتَعَيِّنَةً بِهَذِهِ الصِّفَاتِ صَارَ طَلَبُ الْعِلْمِ عَلَيْهَا فَرْضَ عَيْنٍ لَا فَرْضَ كِفَايَةٍ )) ا.هـ
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله علي نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم




[1]
" شرح العقيدة الوسطية ج 1 ص 25 ـ 26 " للعلامة ابن عثيمين رحمه الله
[2]
" الرسالة التبوكية ص 43 ـ 45 "
[3]
" جامع العلوم والحكم ص 104 "
[4]
" الداء والدواء ص 116 ـ 117 "
[5]
" روضة المحبين ص 20 ـ 21 " مع شيء من الاختصار
[6]
" أدب الدنيا والدين ص 28 ـ 29 "
[7]
" روضة المحبين ص 22 "
[8]
" أدب الدنيا والدين ص 30 ـ 33 "
[9]
انظر إلى كتاب " الفوائد ص 95 ـ 96 " للإمام ابن القيم رحمه الله
[10]
" الداء والدواء ص 129 ـ 130 "
[11]
" مدارج السالكين ص 38 "